السيد كمال الحيدري
34
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
فنظام السببيّة قائم فاعل في الوجود ، والرابطة ضرورية بين العلّة والمعلول ، لكن هذه القوانين والعلائق الضرورية لا تعمل على نحو الاستقلال كما تعمل الأربعة بالنسبة إلى الزوجية ، بل تعمل بما أفاده الله عليها من الضرورة ، ومن ثمّ لا يمكن أن تكون هذه القوانين معزولة عن الله بل هي بحاجة إليه حدوثاً وبقاءً ، كما لا يمكن أن تكون أيضاً حاكمة عليه ، كيف وهو سبحانه الموجد والمُبقى لها الغالب عليها ، المالك على الإطلاق ؟ ! عن هذه الزاوية يقول الطباطبائي : « وقد بيَّن القرآن الشريف على ما يفهم من ظواهره قوانين عامّة كثيرة . . لكنّها جميعاً قوانين كلّية ضرورية إلّا أنّها ضرورية لا في أنفسها وباقتضاء من ذواتها بل بما أفاده الله سبحانه عليها من الضرورة واللزوم . وإذا كانت هذه الحكومة العقلية القطعية من جهته تعالى وبأمره وإرادته فمن البيّن أنّ فعله تعالى لا يجبره تعالى على مؤدّى نفسه ، ولا يغلبه في ذاته ، فهو سبحانه القاهر الغالب فكيف يغلبه ما ينتهى إليه تعالى من كلّ جهة ويفتقر إليه في عينه وأثره . . . وبعبارة أخرى : ما في الأشياء من اقتضاء وحكم إنّما هو أثر التمليك الذي ملّكه الله إيّاها ، ولا معنى لأن يملك شئ بالملك الذي ملكه الله بعينه منه تعالى شيئاً ، فهو تعالى مالك على الإطلاق » « 1 » . هكذا تتبنّى مدرسة أهل البيت عليهم السلام رأياً في الفواعل الطبيعية يفيد أنّ هناك طولية في الفاعلية . وهذا ما يقتضيه الجمع بين الآيات . فالله سبحانه أوجد بعض الأفعال مباشرة بلا واسطة ، وبعضاً مع الواسطة ، بالمعنى الذي يفيد أنّ لهذه الواسطة أثراً في إيجاد الفعل لكن بإقدار الله ، وهذا الإقدار لا يستقلّ بالأثر بل هو محتاج إلى الله سبحانه حدوثاً وبقاءً . فالله سبحانه لا يمنح القدرة للسبب الطبيعي ثمّ ينعزل ، بل تتّسم العلاقة بالدوام ، لأنّ ذلك السبب قائم به حدوثاً وبقاءً ككلّ شئ في نظام الوجود . وهذا معنى
--> ( 1 ) الميزان في تفسير القرآن ، ج 6 ، ص 255 254 .